كوركيس عواد

122

الذخائر الشرقية

القوم حينذاك . ففيها خلاصة معارف البشر قد تجمعت ، وفي رفوفها وخزائنها كان يرى تراث الثقافات القديمة المختلفة ، منسّقا مبوبا ، ولا سيما ثقافة يونان . وقد كان علماء ذلك العصر الذي ازدهرت فيه هذه المكتبة وعلا شأنها ، يختلفون إليها وينهلون من ينابيع المؤلفات الكثيرة المكنونة فيها ، تلك المؤلفات التي كانت تعد بمئات ألوف المجلدات . أنشأ هذه المكتبة ، على أوثق الروايات وأثبتها ، بطليموس الأول ، أول ملوك دولة البطالسة بمصر . وكان ذلك نحو سنة ثلاثمائة قبل الميلاد . وكان يرمي من إنشاء هذه المكتبة إلى نقل الثقافة اليونانية إلى بلاد مصر . وكان ممّا يسّر لهذا الملك بلوغ مرامه ، أنه أحاط نفسه بجمهرة من العلماء والأدباء الذين لمع نجمهم في ذلك العصر ، فقرّبهم من نفسه . وراسل الفلاسفة المقيمين في جميع بلاد يونان . مثله في هذا الباب ، مثل الإسكندر الكبير من قبله . على أن مكتبة حافلة كهذه المكتبة ، لا يمكن أن تبلغ ذروة عظيمة في عهد ملك واحد مهما بالغ في جمع كتبها واهتم بأمرها ورعاها بعنايته واهتمامه . ويدل التاريخ على أن بعض أخلاف بطليموس الأول سار سيرته في الأخذ بناصر العلماء وتشجيع روح العلم . وأشهر من يذكر منهم في هذا الشأن : بطليموس الثاني ( 285 - 246 ق . م ) وبطليموس الثالث ( 246 - 221 ق . م ) وقد حكما ، على ما رأيت ، في غضون المائة الثالثة قبل الميلاد فهؤلاء الملوك الثلاثة ، وسّعوا المكتبة ، وأغنوها بما لا يحصى من ثمار التأليف الشائع في ذيالك العصر الغابر . كانت كتب هذه المكتبة ، مدوّنة على أوراق البردي وعلى الرقوق ، أي الجلود . لأن الكاغد وهو الورق الذي نتخذه الآن للكتابة فيه ، لم يكن معروفا في ذلك العهد . وكانت أشكال تلك الكتب تخالف ما نعهده في كتبنا اليوم . ذلك أنها كانت عبارة عن مدارج طويلة تلفّ لفا . ويقوم من اللفافة الواحدة كتاب واحد أو أكثر . وقد نوّه بعض المؤرخين الأقدمين بعدد لفائف البردي والرقوق في تلك المكتبة . فقالوا إنها كانت نحوا من أربعة مائة ألف لفافة منوّعة ، ومن نحو تسعين ألف لفافة مفردة . والمراد باللفافة المفردة ، ما ضمّت مصنّفا واحدا لمؤلف واحد . والمنوعة خلاف ذلك ، فإن لفافتها الواحدة تحوي جملة كتب ، فهي كالمجموع الخطّي في عرفنا اليوم . على أن الذي يجدر بنا ذكره في هذا المقام ، هو أن مدينة الإسكندرية لم يكن فيها